زار هاجوس جبريهيوت، المستشار الاقتصادي للرئيس الإريتري أسياس أفورقي، القاهرة في الأيام الأخيرة من سبتمبر، والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في زيارة جاءت بعد اندلاع القتال في إثيوبيا بأيام.

 

ففي 23 سبتمبر، شنت مجموعة ائتلافية من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا، تشكلت قبل ذلك بأيام، هجمات على الحكومة الفيدرالية. ويتحرك هذا الائتلاف، الذي يتصدره جبهة تحرير شعب تيجراي، نحو مزيد من التقارب مع أسمرا، بما يبلور ترتيبًا ثلاثيًا يربط بين إريتريا والائتلاف والقوات المسلحة السودانية في السودان. ويرى الباحث في «هورن ريفيو» مهدر نسيبو أن مصر برزت لاعبًا مهمًا في هذا التكتل الذي يبدو مناهضًا لإثيوبيا، إلى حد كبير عبر اتصالاتها مع أسمرا وقيادة القوات المسلحة السودانية.


وبحسب ما نشره «هورن ريفيو»، يُعد هاجوس واحدًا من عدد من المسؤولين الإريتريين الذين يحافظون على اتصالات منتظمة مع القاهرة. والتقى أسياس أفورقي نفسه القيادة المصرية عدة مرات خلال العام الماضي، إذ زار القاهرة في يونيو عقب زيارة استمرت خمسة أيام في أكتوبر الماضي، فيما توجه بدر عبد العاطي إلى أسمرا في مايو من العام الجاري والتقى أفورقي خلال الزيارة.

 


تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وحسابات القاهرة


تزامنت هذه الاتصالات مع تدهور العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، وهو تدهور بلغ ذروته مع اندلاع القتال داخل إثيوبيا بين الائتلاف المسلح، الذي تتصدره جبهة تحرير شعب تيجراي، وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية والميليشيات المتحالفة معها. وتركز القتال في تيجراي، التي كانت الجبهة تسيطر عليها بقوة في السابق، وفي إقليم عفر المجاور، حيث قال رئيس الإقليم لقناة «الجزيرة» إن أفرادًا من القوات الإريترية يقاتلون إلى جانب قوات جبهة تحرير شعب تيجراي.


وتتبنى أديس أبابا رؤية مماثلة لتطورات المشهد. وقال رئيس قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، بيرهانو جولا، إن اصطفافًا يضم إريتريا ومصر والقوات المسلحة السودانية يدعم الائتلاف المسلح ووقوفه وراء اندلاع القتال.


ويستند هذا التشابك في الاصطفافات إلى مجموعة من الحسابات المتداخلة، التي تختلف في كثير من الأحيان بين الأطراف المعنية. وتقوم العلاقة المصرية الإريترية على عدة اعتبارات؛ إذ تخوض القاهرة، منذ اكتمال سد النهضة الإثيوبي الكبير، مواجهة متصاعدة مع أديس أبابا بشأن نهر النيل، بينما تعمل على بناء تحالفات حول محيط إثيوبيا بما يشكل دائرة من نقاط الضغط، وتبدو إريتريا إحدى أهم حلقاتها.
 

وتدخل توترات أسمرا مع أديس أبابا في صميم هذا المشهد، بعدما تصاعدت خلال العام الماضي بالتزامن مع تقارب إريتريا مع المتمردين داخل إثيوبيا، إلى جانب دفع أديس أبابا باتجاه الحصول على منفذ إلى ميناء عصب الإريتري في إطار مساعيها لاستعادة الوصول إلى البحر الأحمر، الذي تعتبره مصلحة وطنية أساسية.

 


«كيشا».. المسؤول المالي المحوري في نظام أسياس أفورقي


يشغل هاجوس جبريهيوت موقعًا محوريًا داخل نظام أسياس أفورقي. ويُعرف بلقب «كيشا»، وهي كلمة تُترجم بصورة تقريبية من لغة التيجرينية إلى «كيس»، وهو لقب اكتسبه خلال فترة عمله «تيجادالاي»، أي مقاتلًا في حركة التحرير، في إشارة إلى دوره مديرًا ماليًا للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا.


ولا يقتصر دور هاجوس على كونه المستشار الاقتصادي للرئيس الإريتري، إذ يتمثل موقعه الفعلي في رئاسة كيانين على الأقل تابعين للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، هما «هيدري تراست» وشركة البحر الأحمر للتجارة. وتتصدر «هيدري تراست» الشركات الكبرى العاملة داخل إريتريا، في اقتصاد يخضع لسيطرة مشددة باعتباره جزءًا من منظومة الحكم التي يقودها أسياس أفورقي.


أما شركة البحر الأحمر للتجارة، فتحتكر واردات البلاد وصادراتها، ما يمنحها سيطرة فعلية على النقد الأجنبي للنظام، إلى جانب أصوله الموجودة في الخارج وتدفقاته المالية، بما في ذلك تحويلات الإريتريين في الخارج والضريبة التي يفرضها النظام على أفراد الجالية الإريترية.


ويحظى النقد الأجنبي بأهمية بالغة بالنسبة إلى النظام وأجهزته الأمنية، ولا سيما جهاز الاستخبارات الذي ينشط على نطاق واسع في منطقة القرن الأفريقي، وقوات الدفاع الإريترية.


وقبل أن ترفع الأمم المتحدة العقوبات عن إريتريا في 2018، والتي شملت حظرًا على الأسلحة منذ فرضها في 2009، لعب هاجوس دورًا محوريًا في الالتفاف على تلك القيود للحفاظ على قدرة النظام على تمويل نفسه. وعندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على النظام بسبب تورطه في الصراع بإقليم تيجراي الإثيوبي بين 2020 و2022، أدرجت هاجوس والكيانين اللذين يقودهما، «هيدري تراست» وشركة البحر الأحمر للتجارة، باعتبارهما مصدرين لتمويل النظام وتوفير المعدات اللازمة لدوره في ذلك التدخل.

 


التعاون الاقتصادي بين مصر وإريتريا.. أبعاد تتجاوز الاقتصاد


قدمت أسمرا والقاهرة الاجتماعات التي شارك فيها هاجوس باعتبارها جزءًا من الانخراط الاقتصادي بين البلدين. غير أن هذا الطرح لا يغطي مجمل الحسابات الجيوسياسية المصرية، بالنظر إلى توقيت الزيارات وطبيعة الاقتصاد الإريتري نفسه.


وحافظت قيادتا مصر وإريتريا على تحالف شبه مستمر لعقود، لكن هذا التحالف ارتبط تاريخيًا بحالة العلاقات بين أديس أبابا وأسمرا. وخلال فترات التقارب القصيرة بين إثيوبيا وإريتريا، في أوائل تسعينيات القرن الماضي مع قيام الدولة الإريترية، وكذلك خلال التقارب قصير الأمد في 2018، تراجعت عادةً درجة تقارب إريتريا مع مصر، في ظل استمرار التنافس الهيكلي بين إثيوبيا ومصر، وإدارة أسمرا لهذا التنافس وفق حسابات تتغير بحسب الظروف.


وعلى الرغم من الصورة التي توحي بعلاقة راسخة، لا يوجد حضور أو استثمار مصري كبير داخل الاقتصاد الإريتري. ويخضع الاقتصاد لسيطرة مشددة من النظام، ما ترك مساحة محدودة أمام الاستثمارات الأجنبية، باستثناء بعض الاهتمام الصيني بقطاع التعدين الإريتري، بينما يظل النشاط الأجنبي داخل البلاد محدودًا بصورة عامة.


وتكمن قيمة العلاقة، بدلًا من ذلك، في جانبها الخطابي، إذ تعكس اصطفافًا واضحًا بين مصر وإريتريا أثار بالفعل مخاوف في أديس أبابا. وتكتسب قدرة هذا الاصطفاف على ممارسة ضغط على إثيوبيا أهمية بحد ذاتها، وهو ما يظهر في استهداف مصر ميناء عصب، الذي تحظى إثيوبيا باهتمام قوي به، عبر قنوات اقتصادية مماثلة.


وقد يكون هاجوس، على نحو أكثر أهمية، حلقة الوصل التي تربط الدعم المصري بالقوى التي تعمل أسمرا على دعمها بالوكالة. ومع دخول الائتلاف المتمرد في مواجهة مع الجيش الإثيوبي، وزيادة انخراط إريتريا بصورة مباشرة في دعم هذا القتال، بما في ذلك المشاركة المباشرة، إذا صحت رواية الإدارة الإقليمية لعفر، قد تسعى أسمرا إلى تعزيز الإمدادات لقواتها وقوات المتمردين، وعلى رأسها جبهة تحرير شعب تيجراي.


وقد يستند الدعم المصري، في هذا السياق، إلى اعتبارات مالية. ولا يزال الدور الدقيق للقاهرة في الديناميكيات الداخلية الإثيوبية غير واضح، فيما يبدو الدعم العسكري المصري المباشر غير مرجح. والأرجح أن يأخذ هذا الانخراط شكل دعم لوجستي ومالي لإريتريا، إلى جانب دعم دبلوماسي، على غرار انخراط القاهرة مع القوات المسلحة السودانية في السودان.

 

https://hornreview.org/2026/10/02/kisha-in-cairo-eritreas-money-man-in-egypts-calculations/